وصل ملف المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا إلى منعطف حاد، بعد أن أعلنت موسكو رسمياً أن الولايات المتحدة لم تعد مؤهلة للعب دور الوسيط المحايد في هذا النزاع، وهو ما يُربك مساراً دبلوماسياً كان أصلاً يسير بخطى متعثرة.
الباحث السياسي بسام البني يقرأ المشهد بعين نقدية، مؤكداً أن الحديث عن حياد أميركي كان منذ البداية ضرباً من المجاز؛ فالوسيط الحقيقي، برأيه، يجب أن يلتزم الحياد التام وألا يُقدّم دعماً لأي طرف على حساب الآخر — وهو ما لم تنتهجه واشنطن في أي مرحلة من مراحل الأزمة. ويلفت البني إلى أن الأفعال الأميركية على الأرض هي المقياس الحقيقي للسياسة، بعيداً عن الخطاب المعلن.
تفاهمات أنكوريج.. وعود لم تُترجم
كانت تفاهمات أنكوريج قد أشعلت آمالاً بإمكانية التوصل إلى تفاهم أميركي-روسي يُمهّد للسلام، غير أن البني يجزم بأن "روح أنكوريج قُتلت في مهدها"، إذ التزمت موسكو من جهتها بالامتناع عن إثارة ملف الصواريخ المنتشرة في أوروبا، فيما أخفقت واشنطن في دفع كييف للانسحاب من منطقة دونباس، ولم تمارس ضغطاً كافياً على أوكرانيا أو على حلفائها الغربيين لإلزامهم بما جرى التفاهم عليه. هذا الإخفاق يُعيد، بحسب البني، مسار التفاوض برمّته إلى نقطة الصفر.
وتزيد أوروبا من تعقيد المشهد برفضها الانصياع للضغوط الأميركية الداعية إلى تخفيف الدعم عن كييف، فيما لا تزال تعهدات الاعتراف بدونباس وشبه جزيرة القرم أراضيَ روسية حبراً على ورق، من دون أي خطوات عملية على صعيد العقوبات أو غيرها.
أزمة البديل الغائب
مع سقوط الورقة الأميركية، يطرح البني السؤال الأصعب: من يملأ الفراغ؟ ويستعرض خيارات عدة لا تبدو أي منها مكتملة:
- **تركيا**: نجحت عام 2022 في التوصل إلى اتفاق بين موسكو وكييف، لكن أوكرانيا تجاهلت ذلك الاتفاق في نهاية المطاف.
- **الصين**: يعتبرها البني منحازة ضمنياً لموسكو، مما يُخلّ بشرط الحياد.
- **الدول العربية**: أدّت دوراً في ملف تبادل الأسرى، لكنها تفتقر إلى القدرة على تقديم ضمانات أمنية وسياسية حقيقية لأي اتفاق بهذا الحجم.
ويخلص البني إلى أنه لا يوجد في الوقت الراهن وسيط يمتلك المقومات الكاملة لهذا الدور، في ظل معادلة صعبة: لا أحد سوى الولايات المتحدة يستطيع ضمان تنفيذ أي اتفاق محتمل، وهي الطرف الذي باتت موسكو ترفض الاعتراف به وسيطاً.
حسم عسكري أم استنزاف مفتوح؟
أمام هذا الجمود الدبلوماسي، يرى البني أن المشهد لا يترك سوى خيارين: الحسم العسكري أو الاستنزاف المطوّل. والأخير ينطوي على تكاليف متصاعدة لروسيا، في ظل ضغوط داخلية متنامية جراء الضربات المتكررة بالمسيّرات التي تطال الأراضي الروسية، مما يرفع منسوب المطالبة الشعبية بحسم سريع. غير أن البني يبقي علامات الاستفهام مفتوحة حول مدى جهوزية الجيش الروسي لخوض معركة حاسمة وكاسحة.
ويختم بتحذير لافت: إن أي عودة أميركية جادة إلى روح تفاهمات ألاسكا ربما تمثّل آخر فرصة متاحة، إلا أن الإعلان الروسي الرسمي برفض واشنطن وسيطاً — بعد ما وصفه من تبادل معلومات استخباراتية مع كييف — يجعل القبول بأي مبادرة أميركية مقبلة أمراً عسيراً في ظل المناخ الراهن.




