أسفرت الجلسة الأولى من محادثات سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران عن اتفاق أولي على آليات لوقف المواجهات في لبنان وتأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، في خطوة وصفها الوسيطان القطري والباكستاني بـ«التقدم المشجع»، وإن اكتنفتها توترات حادة كادت تُجهض المفاوضات.
انعقدت المحادثات في منتجع بورغنشتوك الفاخر في جبال الألب السويسرية، حيث أعلنت الحكومتان الباكستانية والقطرية في بيان مشترك أن الوفدين اتفقا على «خريطة طريق تهدف إلى التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يومًا»، تمهيدًا لانطلاق محادثات فنية جديدة تستمر طوال الأسبوع.
خلية لإدارة النزاع في لبنان
أبرز ما خرجت به الجلسة الأولى إنشاء «خلية لإدارة النزاعات» بإشراف الوسيطين، تضطلع بمهمة ضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية في لبنان، وهو ملف كان يُلقي بظلاله على مسار التفاوض بعد أن استمرت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله أيامَ الجمعة والسبت، رغم أن مذكرة التفاهم الموقّعة في 17 يونيو 2025 تنصّ على «وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات».
ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوساطة الباكستانية القطرية بأنها «أحرزت تقدمًا كبيرًا لإنهاء حرب لبنان»، مشيرًا إلى أن صادرات النفط والبتروكيماويات أُعفيت من العقوبات، وأن بعض الأصول المجمدة أُفرج عنها، فضلًا عن إطلاق خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها. غير أنه لم يصدر أي تأكيد أمريكي فوري لهذه التصريحات.
في المقابل، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن قواته ستبقى في جنوب لبنان «طالما اقتضت الضرورة»، بينما رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم قطعيًا أي منطقة أمنية إسرائيلية على الأراضي اللبنانية. وقد رفعت إسرائيل الأحد كامل القيود المفروضة على مناطقها الشمالية الحدودية، في خطوة فُسِّرت على نطاق واسع بوصفها مؤشرًا على التهدئة.
مضيق هرمز.. خط اتصال لتفادي الحوادث
على صعيد آخر، ردّت طهران السبت على استمرار المواجهات بإعادة إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وجاء الاتفاق الأمريكي الإيراني على إنشاء «خط اتصال» مباشر بين الطرفين للحدّ من خطر «الحوادث وسوء الفهم» في المضيق، وضمان «المرور الآمن للسفن التجارية».
وفي الأسواق، تراجعت أسعار النفط عقب الإعلان عن هذه النتائج؛ إذ انخفض سعر برميل خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.20 بالمئة إلى 75.70 دولارًا، فيما تراجع سعر برميل برنت بنسبة 1.41 بالمئة ليبلغ 79.43 دولارًا.
توترات على هامش التفاوض
لم تخلُ الجلسة من توترات حادة؛ فقد انسحب الوفد الإيراني مؤقتًا بعد ساعة وعشرين دقيقة من انطلاق المحادثات احتجاجًا على منشور للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة «تروث سوشال» هدّد فيه بضرب إيران «بقوة أكبر» إن لم تُوقف وكلاءها في لبنان. وردّ رئيس الوفد الإيراني ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف على التهديد بتحذير مماثل، مؤكدًا أن القوات الإيرانية «مستعدة للرد بطريقة مختلفة».
بيد أن المفاوضات واصلت مسارها عبر الوسيطين، وامتدت نحو 18 ساعة من المشاورات المكثفة، قبل أن يغادر الوفد الإيراني برئاسة قاليباف وعراقجي في الساعات الأولى من صباح الإثنين عائدًا إلى طهران.
ولافت أن الجلسة الأولى تجنّبت تمامًا ملف البرنامج النووي الإيراني، وهو النقطة الأكثر خلافية في تاريخ العلاقات بين البلدين، وإن أفاد دبلوماسي أمريكي رفيع بأن «مناقشات معمّقة جرت حول كل جوانب الاتفاق النووي». وتستند المحادثات إلى مذكرة التفاهم الموقّعة في 17 يونيو، التي تُلزم الطرفين بالامتناع عن «التهديد باستخدام القوة أو استخدامها» خلال فترة التفاوض البالغة 60 يومًا قابلة للتجديد.
وكان النزاع الذي تتواصل أحداثه قد اندلع في أعقاب ضربات إسرائيلية أمريكية استهدفت إيران في 28 فبراير 2025، وخلّف آلاف القتلى معظمهم في إيران ولبنان، حيث وثّقت وزارة الصحة اللبنانية وحدها سقوط 4106 قتلى منذ بداية مارس الماضي، بينهم 135 من الكوادر الصحية، وما يزيد على 12 ألف مصاب.




